أبي حيان التوحيدي
249
المقابسات
حتى نسي بطبيعته ما كان يزوّد نفسه من عالمه ذاك . اعرف حقائق الأمور بالتشابه فان الحق واحد ، ولا تستفزك الأسماء وإن اختلفت فتقول : مات غير نام . وفنى غير بلى . وبطل غير ذهب . وعدم غير تحول . وفقد غير غاب . فان السرور هو الفرح ، والغم هو الهم ، والمعرفة هي العلم ، والقول هو الكلام ، والبيان هو الايضاح ؛ لكن بدرجة ودرجة ، وهيئة وهيئة ، ومكان ومكان ، وزمان وزمان ، ومعرض ومعرض . شكول في هذا العالم في أغشية متكاثفة بين أهوال مختلفة على طرق محفوفة . فأشكل عليك بلدك الذي أنت منه فانتسبت في الغربة لبلد لست من أهله ، وأخذت بعادة كنت غنيا عنها لو عرفت مرماك فيها ، فإذا نبهت فخذ في إصلاح ما يرحلك إلى مقرك حتى تستريح من هذا القلق الدائم ، ومن هذا الهول القائم فخذ عليك بذاتك ولا تبخل بما لا بال [ به ] فيفوتك ما لا بدّ لك منه . اعرف تركيبك ثم اطلب به بسيطك ، فان لكل مركب بسيطا إليه ينتهى . لست طينا وإنما أنت طيني فانتف مما أنت به منقوص ، وانتسب إلى ما أنت به موفور . شقاؤك في انفعالك في الأول والثاني ، وإن عجزت عن ارتجاع ما فاتك فلا تعجز عن حفظ ما معك ، ولا ينفعك الآن جهدك ، فبذلك تتصل بالاجرام التي لا ينفعك الامكان وجد ، فان وجه إليك وتوجه وراءك فتوجه أمامك وتغافل عما ورائك ، فان الذي وراءك في حكم ما ليس لك ، فمتى التفت إليه فاتك ، ومتى رجعت إلى الآخر فبه الناموس الحق يعترف بأكثر مما يعرف به ، ، وأنت مجموع معادن إن انسبكت حصلت ، وإن تركت فسدت . الصورة غنية عن الانفعال ، والهيولى محتاجة إلى الصورة ، فانفعالها على قدر حاجتها : الصورة نوبة والهيولى بحسب العلة الأولى ، معادن النفس إذا كانت خالصة ولها إليه عزوة ، فهي أوثق من